عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني

82

معارج التفكر ودقائق التدبر

الناقلة للرّسائل ألقى إليها كتابا من ملك عظيم ، إذ وصفت الكتاب بأنّه كريم ، أي : رفيع بين الكتب ، باعتبار أنّ مرسله عظيم من عظماء الملوك ، وربّما كانت رقعته وختمه وخطّه من نفيس ما يرسله الملوك عادة . وقرأت عليهم ما جاء في الكتاب ، بعد أن أكّدت لهم قائلة : إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمانَ وكان قد بلغهم ملك سليمان العظيم في بلاد الشّام ، وأكّدت لهم قائلة : وَإِنَّهُ أي : وإنّ نصّ ما جاء فيه : . . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ( 30 ) أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ ( 31 ) . هذا الكتاب العظيم من سليمان إلى ملكة « سبأ » وإلى أركان مملكتها من ملأ القوم ، يشتمل على مقدّمة وقضيّتين : المقدّمة : بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ هذه البداية تبيّن أنّ دولة سليمان دولة دينيّة ، وأنّ ملكه استخلاف ربّانيّ معان بقوى ربّانيّة غيبيّة ، فهو يستعين في سلطانه بصفات وأسماء اللّه الرّحمن الرّحيم . وقد سبق في أوائل المجلّد الأول شرح هذه العبارة الّتي يستفتح بها في الإسلام كلّ أمر ذي بال . ودلّ كتاب سليمان على أنّ هذه العبارة كانت كذلك عنده ، ولعلّها كانت متّبعة عند غيره من بني إسرائيل قبله أو بعده . والقضية الأولى : دلت عليها عبارة أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ : « ألّا » أصلها « أن لا » أدغمت النّون باللّام فصارت لاما مشدّدة ، وكتبت في المصحف كما تنطق أَلَّا . والمعنى : اعلموا أنّ الشّيء العظيم الّذي أوجّهه لكم يا أصحاب الملك والسّلطان في « سبأ » هو « لا تعلوا عليّ » أي : لا تستكبروا عن الخضوع لسلطاني .